يرتجف الجسد على حافة العدم الذى أراه يقترب، فجأة تعلن «محطات الطاقة» فى نفسى إفلاسها، ينفتح فى الروح بابٌ لا يطرقه إلا من تجرد من حوله وقوته، لم تعد ترابيزة العمليات فى مستشفى المقطم للتأمين الصحى مجرد موضعٍ لاستئصال الألم بفتح المسارات لشرايين توشك على الانسداد التام، بل تحولت هذه الترابيزة بل غرفة العمليات بأكملها الى «خلوةً» كونية تجلى فيها الحق سبحانه بجمال لطفه وسط جلال قهره.. ، فى ذروة «الإعصار» الذى يعصر صدرى ويقبض على القلب ولا سبيل أمامه للفلفصة، ناديتُ بقلبٍ يرى ما لا يراه البصر:أنا فى حمايتك يارب.. نعم «لم يغادرنى الشعور بأننى فى حماية الله.. لكننى الآن اتجه اليه وأغمض عينى فيغشانى ما غشي، ويظهر نور أتشبث به وسط ظلام عاتم أدعوه وأبتهل.. يارب: أنا فى حمايتك، أمدد يدك لي.. ولا تتركنى وسط طوفان الإعصار كنت على يقين أنه لن يتركنى فى هذه المحنة.. وحدي.. يا الله.. يا الله.. يا الله.. أضرخ كلما ازداد الوجع. وأرتفعت أمواج الإعصار ورجت الأرض وهزنى الزلزال».
1 – «الوصل» فى عين الوجع
رحلت فى تلك الساعات التى أقتربت من الساعتين والنصف الى عالم الوجد والعشق الإلهى والتوحد والإنصهار: يا الله نعم أدرك الآن إن الألم هو «بريد المحبة»، هبت نسائم الصبر والسلوي، «الله لا يبتلى ليعذب، بل ليطهر الروح من كثافتها لتليق بحضرته العليا.. استحضرتُ قول الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى وهو يصف حال الوجد والوصل:
«عقدَ الخلائقُ فى الإلهِ عقائداً.. وأنا أعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوهُ»
اهمس لإمامى بن عربي: لكننى يا مولاي فى وجعي، لم أكن أعتقد فحسب، بل كنتُ «أشهد» وأقترب.. كنتُ أشهد وأصفو «كيف يذوب جسدى المادى لتشرق روحى بنور المدد.. قادنى الطريق الذى أسير فيه الى النور النبوي، الاستغاثة بآل البيت وآل عباءته، لم تكن طقساً أدور فيه، بل كانت «فناءً»وذوبان فى المحبوب الأصلى عبر وسائله الطاهرة.. ناديتُ: «بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر المستودع فيها»، لم أنته من الدعاء حتى شعرتُ ببرد اليقين يطفئ نيران الوجع.. كان وجعى يصرخ، أهرب منها الي روحى وهي تردد مع الحلاج: أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا.. نَحنُ روحانِ حَلَلنا بَدَنا»..
أعلو وأهبط، أرنو وأبعد.. الوجع صار هو «الآخر» الذى يطرده نور المعية الإلهية من حصون جسدى المنهك.
2 – السيدة زينب: «الأمومة البديلة» وهجير الفقد
نعم يغيب الوعى بالبشر، لكن فجأة تبرز الحاجة الفطرية لـ»الأم»..أستدعيها فلا تأتي.. آه آه.. حين رحلت أمى منذ سنوات، تركت خلفها يتمًا وجوديًا لرجل لا يرممه إلا «حنانٌ علوى».. فى لحظة الانكسار هذه وما قبلها كثير، ارتميتُ مرارا فى رحاب «رئيسة الديوان» السيدة زينب رضى الله عنها، وقلتُ لها ما لا يُقال إلا لمن أستوطنت الروح فيها: «أنتِ أمي.. أمى رحلت التى بشرتيها بقدومى منذ سنوات فى عز حزنها، نعم رحلت لكنك ياحفيدة رسول الله بيننا، أنتِ الآن أمى ياست».
ناديتها: يا أمى الوجع شديد لا أطيقه، يعصرني، يزلزلني، يمزقني، يفتتني.. يالله.. شعرتُ بـ«طبطبة» لا تشبه لمس البشر، و«نسمات طيبة» تختلف عن ريح الإعصار الجوى العاصف بالخارج.. ياه ياه إنها نسمات «العقيلة» التى تداوى جرح غربتى ووجعي.. جاء من بعيد صوت رابعة العدوية وهى تشدو لحبها الإلهي: فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ.. وليتك ترضى والأنامُ غضابُ.. وليت الذى بينى وبينك عامرٌ.. وبينى وبين العالمين خرابُ».. ياه يا رابعة : العالم الآن «خراباً» فى غيبوبة الألم، لكن كيف يكون ذلك.. أقول لنفسى وما بينى وبين «أنوار آل البيت» كان عامراً بالمدد والوصل.
3 – رؤيا الأب: «أرض الحقيقة» ولقاء الأرواح
لسنوات، كان وجه أبى يهرب منى فى «أرض المنام»، وكأن المسافة بيننا قد صارت سداً منيعاً.. لكن، وفى ذروة هذا «الأربعاء « الذى امتزج فيه مطر السماء فى الخارج بدمع الروح على ترابيزة العمليات، انهار السد.. جاء وجه أبى يخترق الضباب حولى ليطل على «أرض الرؤيا»؛ تلك المنطقة الوسطى بين اليقظة والغيب، حيث تلتقى الأرواح فى حضرة «الحق».
رآنى بنظرته الحانية التى لا تُنسي، وكأنه جاء ليقول لي: «المدد قادم».. كان حضور أبى فى هذه اللحظة هو «اكتمال الدائرة» المحتتضنة لي.. ياه الأب القادم بعد غياب منذ رحيله جاء بالقوة والسند ليطبطب علي، ليطمئننى وليسلمنى للقوة السماوية الأعظم.. الآن أحتمى بـ«نور قادم» من هناك، لا أعرف تفاصيله المادية، لكننى كنتُ أدرك أنه «نور الله».. أغمض عينى بعيدا عن الضوء الشاحب فى غرفة العمليات، فيغمرنى النور، أسكن فيه وأذوب متشبثا به.
4 – الوجوه النورانية: «الهروب من نيران الألم»
فى هذه الغيبوبة النورانية، كنتُ غارقاً لا أعرف ولأميز الوجوه الأرضية ولا الأصحاب، لكننى كنتُ أعرف تلك «الوجوه النورانية» التى اقتربت مني. يمتزج النور، يقترب البهاء، وتبتعد نيران الألم.. تحصنت بالاحتماء بالنور فى مواجهة «نيران الوجع».. يأتى الصوت من بعيد: «عليك الا تستسلم للوجع، تمرد.. المجد لمن قال لا للوجع واليأس.. لا تقنط.. حلق الينا فى فضاءات المعية.. السماء تمطر فى الخارج فتقول روحى إنها لحظة لا يرد فيها دعاء.. والإعصار يعصرنى فى الداخل، لا أنتظر.. أصرخ: يا الله..!! يأت من يصبرني.. أشعر بيد حانية تطبطب عليّ.. وصوتٌ يأتى من بعيد بأننا لن نتركك أبداً.. . يا الله.»
5 – الوجع الـ «محنة».. و«منحة»
أدركتُ أن «المدد» لا يحتاج لأسلاك ولا لمحولات طاقة أرضية، بل يحتاج لـ «قلبٍ» يلقى بنفسه فى محراب الصلاة المحمدية قلت : «اللهم صلِّ على سيدى محمد صلاة تامة كاملة.. تشفى بها القلوب». وذهبت اليه فى روضته الشريفة أتلمس نسماته وأناجيه : ياحبيبى يارسول الله .. تخللنى النور القادم من هناك يحمل يقيناً بأن الله إذا أراد بعبد خيراً، كسر جسده ليجبر روحه، وأطفأ أنواره الزائفة ليريَه «نوره الحقيقي».!!
الأسبوع القادم، يشدنى من سماء الملكوت صوت من «جيش الرحمة» الأرضي؛ أولئك الذين سخرهم الله ليكونوا «آياد» لمدده فى مستشفى المقطم.!!